أعاد فتح معبر رفح الحدودي ولو بشكل محدود وتجريبي، طرح أسئلة واسعة في الشارع الغزّي حول شكل المرحلة المقبلة، في ظل آمال بتخفيف العزلة التي فرضها الإغلاق الطويل، وتوقٍ شعبي لالتقاط أي فرصة قد تفتح نافذة نحو واقع معيشي أقل قسوة.
فالمعبر، الذي ظل لأشهر طويلة مغلقًا أمام السكان، لا يُنظر إليه في غزة كمنفذ عبور فحسب، بل كإشارة أولية إلى احتمال تحريك ملفات أكبر، في مقدمتها إعادة الإعمار، وترتيبات ما بعد الحرب، ومشاريع يجري تداولها في الكواليس الدولية، من بينها الحديث عن إقامة مدينة جديدة داخل القطاع.
ومع بدء تشغيل المعبر في الاتجاهين، وتسهيل خروج المرضى والجرحى للعلاج، عاد الأمل تدريجيًا لدى شريحة من الغزيين بأن المرحلة المقبلة قد تحمل تحولات ملموسة، لا تقتصر على إدارة الأزمة، بل تمتد إلى التفكير بمشاريع تنموية أوسع. ويقول سكان إن أي مشروع عمراني جديد، إذا ما كُتب له التنفيذ، قد يشكّل متنفسًا حقيقيًا بعد سنوات من الدمار والبطالة والاكتظاظ.
ويعرب كثيرون عن تطلعهم إلى أن تسهم فكرة المدينة الجديدة في توفير فرص عمل، وبنية تحتية حديثة، وخدمات أساسية غابت طويلًا، خصوصًا في ظل الدمار الواسع الذي أصاب الأحياء السكنية خلال الحرب. ويرى البعض أن غزة لم تعد بحاجة فقط إلى ترميم ما تهدّم، بل إلى نموذج مختلف لإدارة العمران والحياة اليومية.
غير أن هذه الآمال تصطدم بحالة الغموض التي تكتنف المسار السياسي والأمني للقطاع. فتعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، واستمرار الخلافات حول مستقبل الحكم والإدارة، يثيران تساؤلات جوهرية حول الجهة التي ستشرف على أي مشروع من هذا النوع، وكيف ستُدار المدينة المقترحة، وما إذا كانت ستُقام بمعزل عن السيطرة القائمة أو في إطارها.
ويعبّر سكان ومراقبون عن خشيتهم من أن تتحول فكرة المدينة الجديدة إلى حل إنساني مؤقت، يُسوَّق لتخفيف الضغط الدولي، من دون معالجة القضايا الأساسية المتعلقة بالسيادة، وحرية الحركة، وإدارة الموارد. ويؤكد هؤلاء أن أي مشروع تنموي لن يكتب له النجاح ما لم يترافق مع استقرار سياسي واضح، وضمانات تمنع إعادة إنتاج أزمات الماضي.
في المقابل، يرى آخرون أن الواقع المعيشي الخانق لا يترك هامشًا واسعًا لرفض المبادرات، حتى وإن كانت محاطة بالأسئلة. ويقول أحد سكان غزة: “نحن لا نبحث عن مدينة مثالية، بل عن فرصة نعيش فيها بكرامة، ونجد عملًا، ونؤمّن مستقبل أولادنا”.
وبين فتح معبر رفح، والحديث عن مشاريع كبرى لم تتضح معالمها بعد، يعيش الغزيون حالة ترقّب حذِر، تتأرجح بين الأمل بإعادة وصل غزة بالعالم، والخوف من أن تبقى الوعود معلّقة في انتظار تسويات سياسية لم تنضج بعد.






